حبيب نينو

حيلة الشعرية بالأمس لن تُفيدنا اليوم

في صراعات الفرزدق وجرير الشعرية، كان كلاً منهم يرد على الآخر، إلى أن رد الفرزدق على جرير بقصيدة يتّكل فيها على إنجازات قادة بيته في تميم، والتي كان يعرف بأن بيت جرير في تميم لا يملك مثل هذه القامات قائلاً له:

وَمِنّا الَّذي أَحيا الوَئيدَ وَغالِبٌ

وَعَمروٌ وَمِنّا حاجِبٌ وَالأَقارِعُ

أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم

إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ

جرير: شاعر هائل، ومن يربوع إحدى البطون المهمة في تميم.

الفرزدق: شاعر هائل أيضاً، لكن فوق ذلك كان يملك رصيداً أسرياً من السادة والأشراف يصلح جداً لسلاح الفخر القبلي.

لكن جرير نفسه سبق أن استخدم هذا الأسلوب ضد الراعي النميري الذي انتصر للفرزدق في إحدى معاركه مع جرير، ليعير جرير، فما كان من جرير، إلى أن لجمه بقصيدة فيها بيت تسبب حتى في نكران بعض أهل نمير للقبهم قائلاً له:

فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَير

فَلا كَــــعباً بَلَغتَ وَلا كِـــلابا

بما أنك اخترت أن تدخل في المفاخرة القبلية وتناصر الفرزدق، فسأضربك في أكثر نقطة حساسية في ذلك العصر:

مكانة بطنك بين بطون عامر بن صعصعة.

الشاهد من هذه القصص

قبل تكوّن الدول بمفهومها اليوم، كانت هذه الإنجازات مثل المؤشرات التي تقاس بها عظمة الدول، وكان الشعراء مثل القوة الدعائية والإعلامية اليوم للدول لهذه القبائل.

وفي عصر اليوم، لم تعد تقاس الأمور هكذا، فعقلية الاتكاء على الأمجاد السابقة والتاريخ ومحاولة تحقير الآخرين من جنسيات أخرى خاصة بوصف عقاب كذا وكذا، قد تُحسس قائلها بالانتصار اللحظي، لكنها طول استمرار هذه العقلية دلالة على قبوع الدولة في الجهل ومستوى الوعي العام لا يناسب لخلق نهضة حقيقية.

الواقع يقول أن الأمور لا تقاس هكذا في هذا الزمن، لأننا في زمن الدول تقاس قوتها بعدة مؤشرات، ولا يعني وجود البطالة أو المهاجرين الباحثين من الدول ألي تستحقرها يعني أن هذه الدول ضعيفة

أنت كليبيا اليوم دولة لا مستقلة عسكرياً بتصنيع سلاحها ولا غذائياً وزراعياً بإنتاج استهلاكها، ولا علمياً بتوليد ابتكاراتها وعلومها بالبحث العلمي، ولا ثقافياً بسبب عدم حضور ثقافتها إقليمياً أو عالمياً، أو سياسياً بحضورها وثقلها الإقليمي، الأفضل أن تستيقظ لإنقاذ نفسك قبل فوات الأوان.

انتهى الزمن الذي كان النسب فيه سلاحاً يُلجم به الخصم، زمن قال فيه الفرزدق لجرير:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

فلم يرد جرير على هذا السياق ، لا لأن الحجّة أقوى، بل لأن المعيار كان كذلك.

اليوم المعيار تغيّر. اليوم يُقال: ماذا تُنتج؟ ماذا تُصدّر؟ كم يساوي دينارك؟ هل تُطعم نفسك أم تنتظر السفن؟

والنسب في النهاية هو الشيء الوحيد الذي لم تختره ولم تصنعه بمجهودك، أن تفتخر به وحده يعني أنك تسحب من رصيد لم تودع فيه ديناراً واحداً.

ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الفخر، تحتاج إلى عمل، إلى تعب، إلى مَن يبني ويزرع ويصنّع ويُتقن زكما قال الشاعر :

كن ابنَ مَن شئتَ واكتسب أدباً

يُغنيك محـــمودُه عـــن النسبِ

إن الفتى مَن يقول ها أنا ذا

ليس الفتى مَن يقول كان أبي

المنشور ليس دعوة لاحتقار الذات، لكن تذكير بأن الاعتزاز بالذات تختلف أدواته من زمن لآخر، وأدومها طبعاً ما قال الفاروق عمر بن الخطاب: (نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله).

والله أعلم

Exit mobile version